الشيخ محمد هادي معرفة

38

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري ، فهو يعرف الحقّ بذاته ، ويرجع كلّ قول إليه ، قائلًا : « آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » . « 1 » بقي هنا شيء : وهو أنّ الإمام الرازي - تأكيدا لاختياره الاختصاص - استمدّ بالأدب الرفيع ! وقال : إنّ العطف بعيد عن ذوق الفصاحة ، ولو أُريد العطف لكان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنّا به ، أو يقال : ويقولون آمنّا به . « 2 » ووافقه على هذا الذوق الأدبي ! سيّدنا العلّامة الطباطبائي ، قائلًا : وظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه تعالى . وظاهر الكلام أنّ الواو في « والراسخون . . . » للاستئناف ، لكونه طرفا للترديد الواقع في صدر الآية « فَأَمَّا الَّذِينَ . . . » . ولو كان للعطف الدال على التشريك ، لكان من أفضل الراسخين - حينذاك - هو الرسول الأعظم ، فكان من حقّه أن يفرد بالذكر ، تشريفا بمقامه كما في قوله تعالى : « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ » . « 3 » وقوله : « ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ » « 4 » وقوله : « وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا » . « 5 » قلت : إن كنّا نرى لهذين العلَمين منزلتهما الشامخة في مجال الحكمة والعلوم العقليّة ، فإنّ ذلك - بنفس المرتبة - أبعدهما عن عالم الأدب اللَّسَني والعلوم النقليّة ، لاسيّما وأنّهما لم يذكرا سبب تلك الاستذاقة الغريبة ! وقد أسلفنا نقل كلام أئمّة الأدب في ترجيح العطف على الاستئناف . هذا ، وقد ذهب عن الإمام الرازي أنّ الجملة الحالية إذا صدّرت بالفعل المضارع يجب تجريدها عن الواو البتة ، قال ابن‌مالك في باب الحال من ألفيته في النحو : وذات بدء بمضارع ثبت * حوت ضميرا ومن الواو خلت كما ذهب عن سيّدنا الطباطبائي أنّ في القرآن كثيرا من عمومات تشمل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله يقينا ولم يفرد بالذكر ، منها : قوله تعالى : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ

--> ( 1 ) - تفسير المنار ، ج 3 ، ص 167 . ( 2 ) - التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 177 . ( 3 ) - البقرة 285 : 2 . ( 4 ) - التوبة 26 : 9 . ( 5 ) - آل‌عمران 68 : 3 .